فخر الدين الرازي
131
تفسير الرازي
محيطة بالناس ، فإذا صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن إليه في ذلك المال سببا لصيرورته منقادا مطيعا له ، فلهذا قيل : بالبر يستعبد الحر ، فإذا لم يوجد هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض ، فلا يحصل الانقياد البتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم إن الملك على ثلاثة أقسام : ملك على الظواهر فقط ، وهذا هو ملك الملوك ، وملك على البواطن فقط ، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على الظواهر والبواطن معاً ، وهذا هو ملك الأنبياء صلوات الله عليهم . فإذا كان الجود من لوازم الملك وجب في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الأخلاق سببا لانقياد الخلق لهم ، وامتثالهم لأوامرهم . وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام . المسألة الرابعة : قال سيبويه : " إذن " في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك أظن زيدا قائما ، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله ، كقوله : زيد أظن قائم ، وإن شئت قلت زيداً أظن قائماً ، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه ، تقول زيد منطلق ظننت ، والسبب فيما ذكرناه أن " ظن " وما أشبهه من الأفعال نحو علم وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا تؤثر في معمولاتها ، فإذا تقدم دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخر دل على عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ولا في محل الاهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين فلا جرم كان الأعمال والالغاء جائزا . واعلم أن الأعمال في حال التوسط أحسن ، والالغاء حال التأخر أحسن . إذا عرفت هذا فنقول : كلمة " إذن " على هذا الترتيب أيضاً ، فان تقدمت نصبت الفعل ، تقول إذن أكرمك ، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء ، تقول أنا إذن أكرمك ، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين . إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى : * ( فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) * كلمة " إذن " فيها متقدمة وما عملت ، فذكروا في العذر وجوها : الأول : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : لا يؤتون الناس نقيرا إذن . الثاني : أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا توسطت أو تأخرت ، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى : * ( وإذا لا يلبثون خلفك ) * والثالث : قرأ ابن مسعود * ( فإذا لا يؤتوا ) * على إعمال " إذن " عملها الذي هو النصب . المسألة الخامسة : قال أهل اللغة : النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة ، وأصله أنه